فوزي آل سيف
96
معارف قرآنية
2/ الملامسة بالبشرة أي مسّ بشرته، مثل قول الله عز وجل في قضية السامري عندما حاول أن يغوي قوم بني إسرائيل بعد ذهاب موسى فكان عقوبته كانت قوله ( إنّ لك في الحياة أن تقول لا مساس) أي أنّك ستذهب ولن يختلط معك أحد ولن يباشرك ويسلّم عليك . وهنا في قوله ( لا يمسّه إلا المطهرون ) لا يقصد الملامسة اليدوية لأنّ الكثير يمسّ القرآن الكريم بدون طهارة ، وحتى لو كانوا على طهارة فهم طاهرون وليس مطهّرين بمعنى ادراك أعماق القرآن والفهم لبطونه وحقائقه ، لأنّ أهل البيت عليهم السلام هم من يدرك ذلك. المنحى الفقهي بمعنى لا يلامس حروفه إلا من تطهّر، وبالتالي لا يجوز للإنسان أن يمسّ كتابة القرآن إذا كان محدثًا بحدث أصغر او أكبر ، يعني إذا كان على غير وضوء أو كان على جنابة، أو كانت المرأة في حالة الحيض أو النفاس، فهؤلاء لا يستطيعون مسّ خط القرآن الكريم ، وهنا تتحوّل الجملة ( لا يمسّه إلا المطهرون ) من كونها خبرية إلى جملة إنشائية فهي ناهية عن مس كتابة القرآن على غير طهارة. إذ أنّ الجمل نوعان: جمل خبرية وجمل إنشائية ، قد تكون خبرًا كأن تقول : أنا ذاهب للمسجد ، أو تكون إنشاءً كأن تأمر ابنك بأن يذهب للمسجد فتقول له: اذهبْ للمسجد ، فهذا إنشاء أمر ، وقد يكون إنشاء نهي ، وكثير من الأحكام تأتي بصيغة الإنشاء كما في قوله تعالى ( و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة ) جملة إنشائية فيها أمر ، وكقوله (لا تقربوا الزنا) جملة إنشائية فيها نهي. بعض التشريعات والأحكام جاءت بصيغة الخبر كقوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت) ، أي حجّ البيت مكتوب ومفروض على الناس فهذه جملة خبرية لكنها في قوة الإنشاء بل أقوى كما يقولون ، ويوجد في الحياة العامة أمثلة على الجمل الخبرية لكنها تكون بقوة الإنشاء ، فعلى سبيل المثال عندما ترى العبارة المكتوبة على باب الإدارة ( الدخول ممنوع ) هي ليست إخبارا عن أنّ الدخول ممنوع فقط ، بل هي تتضمن أمرًا بأن لا تدخل ، إذن هي خبرية لكنها في قوة الإنشاء بل أقوى. وعندما يقول: (لا يمسّه إلا المطهّرون) كأنّه يريد أن يقول: لا تمسّ كتابة القرآن إلا وأنت على طهارة، وهناك رواية تنقل عن الإمام الصادق عليه السلام ( لا يمسّ الجنب درهمًا ولا دينارًا عليه اسم الله ) فكيف بمس كتابة القرآن بالنسبة للجنب كذلك لا يجوز ، والمحدث كذلك أي الذي أحدث و لم يتوضأ ، وكذلك يلحق بهما المرأة الحائض. ومن الممكن أن تكون الآية تحمل المعنيين معًا المعنى العقائدي والمعنى الفقهي ، ثم قال ( تنزيل من ربّ العالمين ) هذه صفة أخرى للقرآن الكريم ويمكن أن تعتبرها تعليلاً لما قبلها ، لماذا لا يمسّه إلا المطهّرون ؟ لأنّه تنزيل من ربّ العالمين ، فهذه الآية تثبت ما ذهب إليه المسلمون عامة أنّ هذا القرآن الكريم تنزيل من ربّ العالمين ، بينما يعض الغربيين ومن تبع